في الوقت الذي كان الكاتب الناطق بالفرنسية بوعلام صنصال يحتضر في سجون الجزائر، أعلن الصحافي السياسي النجم في قناة RTL على الهواء مباشرة في 25 فبراير/شباط 2025 أن فرنسا "صنعت مئات من أورادور سور غلان" في الجزائر، وأن "النازيين تصرفوا كما فعلنا في الجزائر".
وأمام هذه التصريحات المذهلة، قد يكون من السهل أن نقول إن الشيخوخة بمثابة حطام سفينة. ولكنها تتوافق مع تفكير جيل يكره بلاده إلى الحد الذي جعل من الضروري أن نأخذها على محمل الجد، أي بالمعنى الحرفي لما تنص عليه. وإذا لم تكن الأخلاقيات الأكاديمية هي الموضوع محل الخلاف هنا، بما أن هذا الصحفي الذي علم نفسه بنفسه ليس لديه أي ادعاءات علمية، فإن هذه التصريحات تعكس بشكل غريب الاتجاه المؤسف نحو تزوير التاريخ الذي فرضته أيديولوجية ما بعد الاستعمار العصرية.
بالنسبة لأولئك الذين يدفعون أنفسهم إلى الجريمة، فإن التاريخ هو السلة التي يجوز لهم أن يستقوا منها المواد الأكثر احتمالاً لتسريع فوضى المجتمعات. كيف يمكننا تحليل هجمات أفاتي في بضع كلمات في ضوء التاريخ المقارن للنازية والاستعمار ومجتمعاتنا المنقسمة؟
هناك أربعة استخدامات منحرفة للتاريخ تستحق أن نسلط الضوء عليها، وذلك لأن تلميذ الساحر في المواجهة العامة يدوس عليها بأقدامه:
- التناقض والجهل بالحقائق التاريخية في دعم الاتصالات: في التاريخ، الخطيئة المميتة هي التناقض الزمني الذي يسحق الحقائق والتواريخ والسياقات. إنها خالقة للفوضى والارتباك الفكري، وهي وقود للأيديولوجيين الذين يمارسون بلا خجل المقارنات بين اللحظات التاريخية البعيدة، أو مثل المستيقظين، يحكمون على الماضي وفقا للمعايير الأخلاقية لعصرهم. وتعتقد أفاتي أن النازيين قلدوا الفرنسيين: فلا جدوى من مناقشة جهل أساليب الغزو الفرنسي للجزائر قبل قرن من الزمان من قبل الجيش النازي؛ ولو كان النازيون قد استوحوا الإلهام من طريقة ارتكاب الإبادة الجماعية لأقلية سكانية وإخفائها وإنكارها، فما كان عليهم إلا إعادة قراءة تاريخ الإبادة الجماعية للأرمن والسريان على يد الإمبراطورية العثمانية، عندما شارك مستشاروهم العسكريون في قيادة الجيش العثماني ومساعدته من عام 1882 إلى عام 1918 (بعثات كولمار فون دير جولتز وأوتو فون فيلدمان). تعتقد أفاتي أن النازيين قلدوا الفرنسيين لقتل سكان قرية أورادور، وهو ما سيكون بمثابة عودة عادلة (؟) للبلد الذي خلق المئات من سكان أورادور في الجزائر؟ ورغم وحشية الغزو وموته، فقد نجت شعوب جنوب البحر الأبيض المتوسط من استعمار القرن التاسع عشر (وهو ما لم يكن الحال بالنسبة للعديد من الشعوب الهندية الأمريكية). تم استدعاء بيجو من قيادته بسبب ثلاث عمليات تدخين وتدمير للجدران ارتكبها مرؤوسوه وتمت محاكمته في باريس. ولم يصدر أي أمر من هذا القبيل بعد المذبحة القانونية التي وقعت في مدينة البندقية، والتي لا يوجد لها مثيل في الجزائر.
- la الاختزال إلى هتلر الذي يلغي التمييز والعقل :الحضارة الغربية مهووسة بهتلر، الذي أصبح عن غير قصد وكيلًا لتدمير نفسها. لقد تم إبعاد هتلر عن التاريخ، وتم إخراجه من سياقه، وتمزيقه من الحرب العظمى وثلاثينيات القرن العشرين، وأصبح مبدأ تفكك كل الثقافة، وكل البناء الاجتماعي والوطني في أوروبا. حتى الدول التي كانت ضحية للنازية (فرنسا، بولندا، هولندا، الخ) متهمة بتشجيع ظهورها، وبأنها كانت نموذجاً (أفاتيا)، وبأنها خدمتها. إن تقليص الصراع الفرنسي الجزائري إلى إطار النازية هو عملية تجريم وترهيب تمنع التفكير. الإبادات الجماعية والإبادة الجماعية أصبحت الآن في كل مكان: لقد أصبح الشر المطلق شرًا تافهًا.
- رفض النظر إلى الدكتاتوريات ومعاناة شعوب الجنوب :إن رفض التفكير في الدكتاتورية العسكرية التي نشأت بعد الاستعمار وفهمها هو من اختصاصات فرنسا الأخرى. ومن منظور أناني، لا تتمتع المجتمعات الجنوبية بوجود مستقل: فهي تخضع باستمرار لـ"تأثير" من الخارج من قبل الغرب وأشباحه. وفي هذه النقطة يتفق الدكتاتوريون من الجنوب والأيديولوجيون من الشمال: إن الغرب هو مصفوفة تعمل على إدامة الهيمنة الأبدية على الجنوب والتي تلغي الزمان والمكان. إن التلاعب بالعقول يتطلب استحضار الدكتاتورية ومعاناة الجنوب مما يؤدي إلى إلقاء اللوم على الغرب النازي. هذه هي الدرجة الصفرية من المعرفة بالتاريخ والجغرافيا السياسية. إن هذه الحلقة المفرغة لا تؤدي إلى النظر في الآخر (غير الموجود)، بل إلى التقليل من شأن الذات. إن فرض النازية والاستعمار على الغرب يسمح بإخفاء الممارسات الدكتاتورية في الجنوب، على الرغم من أنها العامل الأساسي في الهجرة في اتجاه واحد إلى الشمال.
- الرغبة الواعية أو اللاواعية في تأجيج نيران الحرب الأهلية في فرنسا إن إخراج النازية من قبعتها لاستحضار الجزائر هو تبرئة للنظام الجزائري من استبداده، وإقرار عدائه تجاه فرنسا، والأهم من ذلك تأجيج الوضع الاجتماعي والأمني الذي يخيف جميع أجهزة الدولة الفرنسية بإمكانية اللجوء إلى العنف. ولكن أفاتي لا يكترث فحسب، بل يبدو أنه يريد دفع الجماعات والمجتمعات إلى المواجهة على حساب السلام المدني الهش. هل يعلم أن الحرب الأهلية هي أسوأ الشرور التي قد تصيب الشعوب، وأن أحداً لن يخرج منها سالماً؟
مدهش، أليس كذلك؟